الخميس، 18 فبراير 2010

قراءة في تقرير المجلس الأعلى للتعليم

حاج عسو
المساء : 14 - 08 - 2008
لقد تضمن تقرير المجلس الأعلى الأخير جملة من المعطيات انقسمت بين الإنجازات (أي ما تم تحقيقه على أرض الواقع) والإحباطات والإخفاقات التي عرفها نظامنا التعليمي منذ تطبيق الميثاق الوطني للتربية والتكوين.
الإنجازات:
في ما يخص تعميم التمدرس: حيث وصلت نسبته بالتعليم الابتدائي خلال الموسم الدراسي 2006/2007: 94%
ارتفاع أعداد التلاميذ بالثانوي الإعدادي والثانوي التأهيلي بنسبة 40% وبلغ معدل تمدرس الفتاة بالعالم القروي خلال الموسم 2006/2007: 88% مقارنة بالموسم الدراسي 1999/2000: 62%.
في ما يخص الموارد البشرية والتجهيزات:
بناء ما يفوق 1600 مدرسة منذ سنة 2000 بزيادة قدرت ب22% مع إحداث 7000 منصب شغل بمجال التدريس.
على المستوى البيداغوجي:
مراجعة المناهج والبرامج في مختلف أسلاك التعليم المدرسي وفقا لمقاربة التدريس بالكفايات والتربية على قيم المواطنة وحقوق الإنسان (الكتاب الأبيض 2002).
تحقيق تعددية الكتاب المدرسي (إنتاج 380 كتابا مدرسيا و297 دليلا للمدرس).
إحداث اللجنة الدائمة للبرامج.
مراجعة نظام التقويم والامتحانات: اعتماد المراقبة المستمرة والامتحانات الموحدة.
توسيع ولوج تكنولوجيا الإعلام والاتصال للمدرسة العمومية.
إدراج الأمازيغية في التعليم الابتدائي.
الإحباطات:
تتجلى الإحباطات التي تم رصدها من قبل تقرير المجلس أساسا في الهدر المدرسي، حيث يتمكن 50% من المسجلين في الابتدائي فقط من الوصول إلى السنة النهائية إعدادي، وينقطع عن الدراسة سنويا حوالي 390000، ففي الموسم 2006/2007 غادر المدرسة 180000 تلميذ لأسباب غير الطرد أو الفشل الدراسي، ويرجع التقرير أسباب الهدر إلى: ضعف مستويات تأهيل المدرسة العمومية، والفقر وتدني المستوى الثقافي وارتفاع تكلفة التمدرس.
ملاحظات أولية:
قبل الخوض في التفاصيل، أورد بعض الملاحظات التي أعتبرها أساسية:
التركيز عن الجوانب البيداغوجية السلبية كأسباب للانقطاع المدرسي: فالانقطاع ناجم عن تفاعل عدد كبير من المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والعلاقات الإنسانية أثناء عملية التمدرس (كالعنف، عسر التواصل والفهم بسبب عائق لغوي، ثقافي...).
التصور الذي يكونه التلميذ عن المدرسة، حيث كانت هذه الأخيرة مصدر ترق اجتماعي، بينما أصبحت مخرجاتها عرضة للبطالة والعطالة.
التمثل والتصور الذي يكونه التلميذ (تجاه الدراسة خصوصا والمعرفة عموما، حينما يواجه بالعنف ويحمل شحنة أفكار سلبية من الأسرة والبيئة المحيطة به عن مستقبل التمدرس، فليجأ إلى التغيب المتكرر أو إحداث الشعب أو إتلاف ممتلكات المؤسسة التربوية.
وعليه، فلعل كل عمل تصحيحي أو إصلاحي لا بد وأن يستحضر الاتفاقيات الدولية والحقوقية التي صادق عليها المغرب كمصدر رئيسي، وإلا كان مآله الفشل ومن بين هذه اتفاقيات:
اتفاقية حقوق الطفل التي صادق عليها المغرب في 26 يناير 1990 المتضمنة للمادة 28 المتعلقة بحق الطفل في التعليم والتي تنص:
على ضرورة إعمال هذا الحق بشكل تدريجي على أساس تكافؤ الفرص، وأيضا: «جعل التعليم الابتدائي إلزاميا ومتاحا للجميع»، والعمل على تشجيع التعليم الثانوي و»القضاء على الأمية... وتيسير الوصول إلى المعرفة العلمية والتقنية، وأيضا الوصول إلى وسائل التعليم الحديثة».
واتفاقية مناهضة كافة أشكال التمييز ضد المرأة التي تحث على اتخاذ «التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة لكي تكفل لها حقوق متساوية لحقوق الرجل في ميدان التربية»، و أيضا العمل على القضاء على أي مفهوم نمطي مسبق عن دور الرجل ودور المرأة، وأيضا «الأهداف الستة للتعليم للجميع» التي أوصى بها المنتدى العالمي للتربية في شهر أبريل 2000 المنظم من طرف اليونسكو والذي يحث على: «تمكين جميع الأطفال من الحصول على تعليم مجاني وإلزامي» في أفق 2015 وخصوصا «الذين يعيشون في ظروف صعبة وأطفال المناطق المحرومة والأقليات الإثنية».
إن كل قراءة نقدية تتوخى النهوض بالشأن التعليمي بالمغرب، لا بد وأن تنطلق من نظرة تفكيكية تحاول مساءلة كل جزء من أجزاء الكل لمحاولة إبراز دوره في النهوض بالعملية التربوية ككل.
لذلك سننطلق في التحليل بدءا ب:
أ- بالمضامين: التي تعتمد مجموعة من المعلومات التي يتم حشو ذهن المتعلم بها، فتستغرق معظم وقته وتفوت عليه فرصة العمل الذاتي وتنمية المهارات الإبداعية.
إن التدرج في بناء المعرفة والاعتراف بنسبية الحقائق أو بمعنى آخر تعليم المتعلم آلية «كيف يفكر؟» عوض «فيم يفكر؟»، لذا يجب نهج «مبدأ التخفيف» الذي نادى به الميثاق الوطني للتربية والتكوين، أي التخفيف في فقرات المنهاج دون الإخلال بتحقيق القيم والكفايات المستهدفة للمرحلة، أو بمعنى آخر اختزال المقررات الدراسية من بعض «المعلومات البالية التي تكبل عقولهم وتفقدهم القدرة على التعبير عن حاجاتهم وطموحاتهم ومنتظراتهم» [أحمد أوزي: مجلة علوم التربية عدد 34/2007]، لأن الكم الهائل للمعلومات المطلوب منه استيعابها وأيضا «القوة الدلالية» والسلطة التي تمنح لها تأسر ذهن المتعلم ووجدانه ومواقفه ولا تترك له أي هامش للتعبير وإبداء الرأي، وهذا ما يتنافى مع «مشروع المواطن» الذي ينتظر من المدرسة أن تساهم في تكوينه.
ب- التلميذ: باعتبار المتعلم محور العملية التربوية كأساس لكل تعلم، بناء على ما ورد في الغايات الكبرى للميثاق: «جعل المتعلم بوجه عام والطفل على الأخص في قلب الاهتمام والتفكير والفعل خلال العملية التربوية التكوينية».
نتساءل ما هي مواصفات المتعلم الذي نريد تكوينه؟ إن كل نظام تربوي يتوخى النماء والتطور لا بد وأن يفكر بجدية في تكوين متعلم مبدع قادر على مواجهة الحياة، ذي مهارات ذهنية وجدانية وحركية جد عالية تتصدى للحياة المستقبلية ولمشاكل العصر ومتغيراته، باختصار تكوين متعلم قادر على حل المشكلات التي تواجهه في حياته. «إن التفكير الإبداعي يشكل بدون شك عملة الرهان على ربح الحاضر والمستقبل معا لأنه تفكير يتحرر من التقليد ويروم التحليل والنقد والتكامل بين التعليم النظري والتطبيق العملي»، [أحمد أوزي مرجع سابق]
ج- تنمية قيم المواطنة بمفهومها الكوني:
ترتكز المواطنة بمفهومها الكوني على ترسيخ قيم الديمقراطية والحرية بشتى أشكالها داخل المؤسسة وخارجها، وعلى تبني قيم الحداثة الكونية والتسامح واحترام الرأي الأخر ونبذ العنف بأشكاله المادية والرمزية.
هذه التعلمات المستهدفة التي يتوخى منها أن تترجم إلى سلوكات إيجابية واعية وإرادية يتم تصريفها داخل المجتمع مادام المتعلمون كمخرجات يعتبرون في غالب الحيان نماذج يتم الاقتداء بها، وذلك بناء على فرضية نقل المكتسبات من المدرسة إلى المجتمع، وهذا ما سيؤدي إلى القضاء على بعض السلوكات غير المتحضرة كالعنف والكراهية واللاتسامح... «إن التربية على المواطنة هي استراتيجية رجل السياسة الذي يلج المدرسة واضعا قناع البيداغوجي»، (الدكتور عبد الله الخياري: المقومات النظرية لاكتساب قيم المواطنة الإيجابية والتسامح، مجلة علوم التربية عدد 34/2007).
وترتكز تيمة المواطنة على مجموعة من الدعامات منها:
المساواة بين جميع المواطنين دون إيلاء أي اعتبار للنوع، والعرق واللغة والدين والطبقة الاجتماعية... مما يولد الشعور الحقيقي بالانتماء إلى الوطن.
التمتع بحقوق ثقافية، اجتماعية، سياسية واقتصادية...
تحمل المواطن لواجبات تجاه الدولة والمجتمع معا، تتجلى في المشاركة في بناء الوطن والتضحية للدفاع عنه والمشاركة في تسيير الشأن العام.
أما في ما يخص تمرير هذه الأنشطة والقيم فتستند إلى ما يلي:
بناء أنشطة تربوية صفية تفاعلية تستهدف تنمية:
⎝ مواقف وسلوكات: اكتساب المتعلم لمواقف تجاه السلوكات الإيجابية والسلوكات السلبية مع ممارسة ما هو إيجابي منها كتقبل الاختلاف، الحوار والتواصل ونبذ العنف بكافة أشكاله، «فالمواطنة هي تتويج لممارسة الحقوق من قبل المواطنين» (الدكتور الخياري، مرجع سابق).
وباختصار فالتربية على المواطنة هي مسألة بناء إنسان قادر على مواكبة المستجدات والتطورات المعرفية وعلى التعلم الذاتي (التعلم مدى الحياة) والمبادرة الفردية وعلى الإبداع الخلاق.
د- المدرس:
تنص الاختبارات والتوجهات التربوية العامة على: ضرورة مواكبة التكوين الأساسي والمستمر لكافة أطر التربية والتكوين لمتطلبات المراجعة المستمرة للمناهج التربوية، وعليه فإن تكوين المدرس ينبني أساسا على ما يلي:
⎝ تدريبه على اعتماد أساليب الحوار والمشاركة الجماعية وعلى بناء المعرفة والمهارة انطلاقا من المتعلم.
⎝ تشجيع السلوكات الإيجابية التي تؤمن بالتسامح ونبذ العنف.
⎝ تكوين جيد في اللغات إلى جانب تكوين جيد في مادة التخصص.
⎝ اطلاعه على كل المستجدات التربوية والعلمية حتى لا يكون عائقا أمام الإصلاح، خصوصا عندما تكون لديه تمثلات وأفكار لا تساير التغيير المنشود. «إن التمثلات لها تأثير فعال جدا على الاتجاهات والسلوكات للأفراد والمجموعات» (د: مسلم محمد، تمثل المعرفة والتسرب المدرسي، مجلة علوم التربية ع: 34/2007).
ه - إنشاء وتأهيل المكتبة:
إن أي إصلاح تربوي لا بد وأن يعتمد المكتبة (عامة) والمدرسية خاصة دعامة أساسية له، وذلك أخذا بعين الاعتبار لأهمية ودور الكتاب وغيره من الوسائط في التعلم الفعال، لذا يجب العمل على:
تجاوز وظيفة المدرسية التقليدية المتحجبة في إعارة الكتاب المدرسي للتلاميذ إلى جعلها شريكا حقيقيا في العملية التربوية لتؤدي وظيفتها الحقة والمتمثلة في:
تأهيل المتعلم للتعلم مدى الحياة، أي اكتساب الكفاية والقدرة على اتخاذ القرار المناسب بشكل مستقل.
فتح الأبواب أمام المتعلمين للاستفادة من مصادر متنوعة للمعلومة (كتاب، أنترنيت، جريدة، مجلة...) تنمية قدرته على الكتابة والتواصل اللغوي بشكل سلس.
تنمية عادة البحث لدى المتعلم وفق خطة يشارك فيها كل الفاعلين التربويين.
إعمال مبدأ تكافؤ الفرص أمام كل المتعلمين للاستفادة من خدمات المكتبة المدرسية وفق ما تنص عليه المواثيق الدولية لحقوق الإنسان من مساواة وتكافؤ الفرص، للحصول على المعلومة والوثيقة المطلوبة دون أي اعتبارات دينية أو إثنية أو لغوية...
توفير كل الأجهزة والمعدات والدعامات التي تسهم في تنمية وتكوين المتعلم.
تكوين المسؤولين على تسيير المكتبات تكوينا علميا وثقافيا جيدا حتى يقوموا بوظائفهم على أحسن ما يرام.
خلق جو إشعاعي تواصلي يعرف بمحتويات المكتبة وأنشطتها، وذلك حتى يقوموا بوظائفهم على أحسن ما يرام.
خلق جو إشعاعي تواصلي يعرف بمحتويات المكتبة وأنشطتها، وذلك عن طريق سن سياسة إعلامية كفيلة بتحقيق ذلك.
و – إدراج اللغة الأمازيغية بالمدرسة العمومية:
أما في ما يخص إدراج اللغة الأمازيغية في المدرسة الابتدائية، فيتسم بالارتجالية وعدم وجود استراتيجية واضحة المعالم، وتتجلى أهم ثغرات هذا الإدماج في ما يلي:
ضعف تكوين المدرسات والمدرسين، سواء من حيث الجانب المعرفي الخاص بهذه اللغة (معجم، تركيب، صرف، صوتيات...) أو من حيث العلوم المتصلة بهذه اللغة (تاريخ، حضارة، أنتروبولوجيا، ميثولوجيا، سوسيولوجيا...)، وأيضا من الجانب الديداكتيكي: التقنيات والمهارات الخاصة بتدريس هذه المادة.
هناك من المدرسين من لا يدرسها -رغم ضعف الإمكانيات المعرفية والديداكتيكية المرصودة لهذه الغاية- ويخصص حصصها لأنشطة أخرى (تربية إسلامية، تربية فنية...) أو لمضيعة الوقت...
تحامل وتحيز تجاه هذه المادة من قبل بعض الفاعلين التربويين، نتيجة لحمولة ثقافية أو إيديولوجية معينة، تصرف من خلال استفزاز التلاميذ بأسئلة من قبل: (هل ترغبون في تعلم الأمازيغية؟) أو الترويج لأفكار من قبيل: الشعب يرفض تعلم هذه اللغة.
ضعف أو غياب التأطير والمراقبة التربوية الكفيلة بإنجاح عملية تدريس اللغة الأمازيغية بالمدرسة العمومية. فصل هذه اللغة عن وعائها الثقافي والحضاري للإنسان أمازيغي لكونها تحمل أحاسيسه وأفكاره وأسماءه وتمثلاته التي يخزنها في كلماتها. إقصاء الأسماء الأمازيغية: الشخصيات (تاغبالوت، نوميديا، اسيد...) والأماكن (أزرو، إفري...) وغيرها من النصوص القرائية والحوارية، وهو ما من شأنه أن يجعل منها لغة وسيطة فقط تتجلى وظيفتها في خدمة ثقافية مهيمنة، وليست لغة للإبداع والحياة ولحفظ الذاكرة الجماعية للشعب من الانقراض، وبالتالي اجتثاث اللغة من بيئتها التي أنتجتها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق